الغزالي

29

إحياء علوم الدين

والأول : هو المراد بقوله صلى الله عليه وسلم لعلي [ 1 ] « ما خلق الله خلقا أكرم عليه من العقل » والثاني : هو المراد بقوله صلى الله عليه وسلم لعلى رضي الله عنه [ 2 ] « إذا تقرّب النّاس إلى الله تعالى بأنواع البرّ فتقرّب أنت بعقلك » إذ لا يمكن التقرب بالغريزة الفطرية ، ولا بالعلوم الضرورية ، بل بالمكتسبة . ولكن مثل علي رضي الله عنه ، هو الذي يقدر على التقرب باستعمال العقل في اقتناص العلوم التي بها ينال القرب من رب العالمين . فالقلب جار مجرى العين ، وغريزة العقل فيه جارية مجرى قوة البصر في العين . وقوة الابصار لطيفة تفقد في العمى ، وتوجد في البصر وإن كان قد غمض عينيه أو جن عليه الليل . والعلم الحاصل منه في القلب جار مجرى قوّة إدراك البصر في العين ، ورؤيته لأعيان الأشياء . وتأخر العلوم عن عين العقل في مدة الصبا إلى أو ان التمييز أو البلوغ ، يضاهي تأخر الرؤية عن البصر إلى أو ان إشراق الشمس وفيضان نورها على المبصرات . والقلم الذي سطر الله به العلوم على صفحات القلوب ، يجرى مجرى قرص الشمس . وإنما لم يحصل العلم في قلب الصبي قبل التمييز ، لأن لوح قلبه لم يتهيأ بعد لقبول نفس العلم . والقلم عبارة عن خلق من خلق الله تعالى ، جعله سببا لحصول نقش العلوم في قلوب البشر . قال الله تعالى * ( الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ ) * « 1 » وقلم الله تعالى لا يشبه قلم خلقه ، كما لا يشبه وصفه وصف خلقه فليس قلمه من قصب ولا خشب ، كما أنه تعالى ليس من جوهر ولا عرض . فالموازنة بين البصيرة الباطنة والبصر الظاهر صحيحة من هذه الوجوه ، إلا أنه لا مناسبة بينهما في الشرف فإن البصيرة الباطنة هي عين النفس التي هي اللطيفة المدركة ، وهي كالفارس ، والبدن كالفرس ، وعمى الفارس أضر على الفارس من عمى الفرس ، بل لا نسبة لأحد الضررين إلى الآخر ولموازنة البصيرة الباطنة للبصر الظاهر ، سماه الله تعالى باسمه فقال * ( ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى ) * « 2 » سمى إدراك الفؤاد رؤية . وكذلك قوله تعالى * ( وكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأَرْضِ ) * « 3 » وما أراد به الرؤية الظاهرة ، فإن ذلك غير مخصوص بإبراهيم عليه السلام

--> « 1 » العلق : 4 « 2 » النجم : 11 « 3 » الانعام : 75